Logo Logo
La Bibliothèque Ben Youssef à Marrakech : Un espace historique et une mémoire scientifique témoignant de siècles de rayonnement du savoir

في قلب المدينة العتيقة لمراكش، وعلى مقربة من جامع ومدرسة ابن يوسف العريقين، تنتصب خزانة ابن يوسف كواحدة من أقدم الفضاءات الثقافية التي حافظت على حضورها العلمي عبر القرون، لتظل اليوم قبلة للباحثين والمهتمين بالتراث المخطوط وطلبة العلم.

فبمجرد ولوج هذا الفضاء الثقافي، يستشعر الزائر عبق التاريخ الذي يفوح من رفوف تحتضن كتبا ومخطوطات رتبت بعناية فائقة، في أجواء تمتزج فيها البساطة المعمارية بروح المعرفة. فالأقواس والزخارف التي تميز الهندسة الداخلية للمكان تعكس الطابع المعماري المغربي التقليدي، مانحة الخزانة بعدا جماليا يوازي قيمتها العلمية.

وتجاور الخزانة جامع ابن يوسف، الذي شكل عبر قرون قبلة لطلبة العلم الوافدين من مختلف مناطق المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء، حيث كان هؤلاء يجدون في هذه الخزانة فضاء غنيا بالمراجع والمصادر في مجالات الفقه واللغة والحديث وعلوم الحساب والفلك، وغيرها من فروع المعرفة التي ازدهرت في الحاضرة المراكشية. وفي تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، أبرز محافظ الخزانة، عبد الغني بنلعضم، أن هذه المؤسسة الثقافية تعتبر "خزانة تراثية من العيار الثقيل"، مذكرا بأن تاريخها يعود إلى عهد الدولة المرابطية في القرن السادس الهجري، أي القرن الثاني عشر الميلادي.

وأضاف أن النواة الأولى لهذه الخزانة تأسست في عهد الأمير المرابطي علي بن يوسف بن تاشفين، الذي اختار هذا الموقع لتشييد مسجد ابن يوسف الأعظم، والذي أنشئ آنذاك على شكل مركب ثقافي وديني متكامل. وأوضح أن هذا المركب كان يضم عددا من المرافق العلمية، من بينها الخزانة التي كانت تقع داخل المسجد، الذي كان يعرف في تلك الفترة بـ"جامعة ابن يوسف"، على غرار جامعة القرويين بفاس، حيث شكلت المؤسستان معا مركزين بارزين لنشر العلم والمعرفة في العالم الإسلامي.

وأشار إلى أن الخزانة أدت دورا أساسيا في خدمة العلماء والباحثين وطلبة العلم الذين كانوا يفدون إلى مراكش من مختلف أقطار العالم الإسلامي، مبرزا أن المكان ارتبط بعدد من كبار العلماء الذين مروا من هنا أو ارتبطوا به، من بينهم المؤرخ محمد الصغير الإفراني، والوزير والأديب الأندلسي لسان الدين بن الخطيب. ولا تزال الخزانة تؤدي دورها الثقافي إلى اليوم، حيث تضم رصيدا علميا مهما من المخطوطات والمطبوعات والكتب المرجعية التي تشكل مادة خصبة للبحث الأكاديمي.

وفي هذا الصدد، أوضح محافظ الخزانة أن رصيد المخطوطات يضم حاليا ما يزيد على 1600 عنوان و732 مجلدا، مضيفا أن الخزانة تحتوي على قسم خاص بما يسمى "الخروم"، وهي أجزاء من مخطوطات قديمة ناقصة، ويبلغ عددها أكثر من 1018 وحدة.

وتضم الخزانة أيضا، مجموعة من المطبوعات الحجرية المعروفة بـ"الطبعة الفاسية"، وهي مطبوعات ظهرت مع دخول أول مطبعة حجرية إلى المغرب بمدينة فاس قادمة من مصر، ويصل عددها إلى حوالي 314 وحدة. والأكيد أن خزانة ابن يوسف تبقى شاهدا حيا على عراقة المدرسة العلمية المغربية، ودليلا على العناية التي أولاها المغاربة للكتاب عبر التاريخ، باعتباره وعاء للمعرفة وركيزة لبناء الحضارة.

(ومع: 16 مارس 2026)