أكدت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، يوم الثلاثاء بالرباط، أن بناء إدارة عمومية جاهزة للمستقبل يقتضي إرساء حكامة حديثة قادرة على مواكبة التحولات، وتعزيز الالتقائية بين السياسات العمومية، وتطوير الأطر التنظيمية، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وتوسيع مجال التدبير القائم على النتائج.
وقالت السيدة السغروشني، في كلمة خلال الجلسة الافتتاحية لأشغال المنتدى العربي الثالث للإدارة العمومية، الذي ينظم تحت شعار "الابتكار في الحكامة من أجل إدارة عمومية جاهزة للمستقبل"، إن وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة "تواصل إعمال رؤية إصلاحية تجعل من تحديث الإدارة مسارا مؤسساتيا متواصلا، يرتكز على الحكامة الجيدة، والنجاعة، وتقريب الخدمات من المرتفق وتعزيز التكامل بين مختلف المتدخلين".
وأضافت أن تبسيط المساطر الإدارية يحتل مكانة محورية في صلب هذه الرؤية، باعتباره مدخلا لترسيخ علاقة أكثر وضوحا وشفافية بين الإدارة والمرتفق، مبرزة أن هذا الورش يواكب تطوير إعداد مشروع قانون رقمنة الخدمات الإدارية، بما يؤسس لمرحلة جديدة قوامها الانتقال من رقمنة الإجراءات إلى تقديم خدمات عمومية رقمية مندمجة، تقوم على مبدأ تبادل المعطيات بين الإدارات، وتتمحور حول المرتفق وتحقق قدرا أكبر من الشفافية والنجاعة.
وفي السياق ذاته، اعتبرت الوزيرة أن ورش اللاتمركز الإداري، الذي تضطلع الوزارة بمهام الكتابة الدائمة للجنته الوزارية، يشكل دعامة أساسية لتحديث الإدارة العمومية، من خلال تعزيز الاختصاصات على المستوى الترابي، وتطوير آليات التنسيق، وتقوية قدرات المصالح اللاممركزة، بما يواكب ورش الجهوية المتقدمة، ويقرب القرار الإداري من المواطن، ويرفع من نجاعة التدبير العمومي في إطار من التكامل والانسجام بين مختلف مستويات الإدارة.
كما اعتبرت أن التحول الرقمي، بوصفه رافعة أفقية لهذا المسار الإصلاحي، يأتي بما يتيحه من إمكانات لتجويد الخدمات، وتعزيز التشغيل البيني، وتثمين البيانات وتطوير الاقتصاد الرقمي، مع فتح آفاق جديدة أمام الابتكار العمومي، مذكرة بأن العنصر البشري في قلب كل إصلاح إداري ناجح، باعتباره الفاعل الأساسي في تنزيل السياسات العمومية وتحقيق أثرها.
وسجلت السيدة السغروشني أن "منطقتنا العربية تزخر بالكفاءات والخبرات والتجارب الرائدة، وهو ما يجعل من التعاون العربي في مجال الإدارة العمومية خيارا استراتيجيا لتبادل المعرفة، وتطوير القدرات، وإطلاق مبادرات مشتركة، وبناء فضاء عربي للإبداع الإداري يستند إلى التضامن، واحترام خصوصية كل دولة، والانفتاح على مختلف التجارب الناجحة بما يعزز جاهزية مؤسساتنا لمواجهة تحديات المستقبل".
وفي كلمة مماثلة، اعتبر نائب الأمينة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، طارق العلمي، أن هذا المنتدى العربي الثالث "لا يناقش قضية تقنية معزولة عن السياق العام، بل نحن نجتمع في لحظة تاريخية يشهد فيها العالم تحولات بنيوية عميقة، وتتعرض فيها الدولة الحديثة لاختبارات لم نشهد مثيلا لها في الماضي".
وفي هذا الصدد، أكد السيد العلمي أن مفهوم "الحوكمة" نفسه خضع لعدة تغييرات، إذ لم تعد الإدارة العامة تقاس بعدد الإجراءات التي تنجزها، بل بقدرتها الاستشرافية والاستباقية على الاستجابة قبل وقوع الأزمات، وعلى بناء الثقة قبل تآكلها، إلى جانب تحويل التكنولوجيا من أداة تشغيل إلى أداة عدالة وكفاءة وإنصاف.
كما شدد على أن الحوكمة الجاهزة للمستقبل هي تلك القادرة على الجمع بين التكنولوجيا والإنسان، وبين سرعة القرار وعدالته، وبين شمولية الخدمات العامة وجودتها، تلك التي تصنع في صلب عملها وفلسفتها الإنسان أولا، لافتا إلى أن المنطقة العربية تتوفر على تجارب واعدة في التحول الرقمي، وتطوير الخدمات العامة وتحديث الإدارة، فضلا عن استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة.
وتتميز أشغال المنتدى العربي الثالث للإدارة العمومية، الذي تنظمه وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، على مدى يومين، ببرمجة جلسات موصوعاتية تناقش "إعادة ابتكار الحكامة : نحو خدمة عمومية متمحورة حول المواطن"، و"التحول الرقمي والتكنولوجيات الناشئة"، و"إصلاح الوظيفة العمومية وثقافة الابتكار".
كما تناقش تلك الجلسات، التي تعرف مشاركة مسؤولين حكوميين وأكاديميين وممثلي منظمات إقليمية ودولية، قضايا تهم "تمويل الابتكار وضمان استدامته"، و"الإصلاح المؤسسي والتنظيمي"، و"استعادة الثقة من خلال مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة"، و"الحكامة الإلكترونية وابتكار البيانات"، و"الشراكات ومنظومات الابتكار".
(ومع: 30 يونيو 2026)