Logo Logo
"استقلال المغرب: الذاكرة والتاريخ" محور الملتقى الوطني الثاني للمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب

افتتحت، يوم الأربعاء بالرباط، أشغال الدورة الثانية للملتقى الوطني للمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، الذي يناقش هذه السنة موضوع "استقلال المغرب: الذاكرة والتاريخ"، وذلك بمشاركة أكاديميين وباحثين في تاريخ المغرب.

وتهدف هذه الدورة، التي ينظمها المعهد التابع لأكاديمية المملكة المغربية بشراكة مع الجمعية المغربية للبحث التاريخي، في سياق تخليد الذكرى السبعين لاستقلال المغرب، إلى تسليط الضوء على حدث يكتسي أهمية كبرى في مسار الكفاح الوطني لاستعادة السيادة وبناء مغرب المستقبل.

كما تسعى إلى إعادة التفكير في استقلال المغرب وفق مقاربة علمية جديدة تنطلق من حصيلة المنجز الإسطوغرافي (علم التأريخ) بخصوصه، ثم تنصرف بعد ذلك إلى تطويره، سواء بتجديد مادته الوثائقية وتنويعها والقيام بحفريات في الذاكرة، أو بتوسيع زوايا النظر إليه لتشمل مواضيع جديدة ظلت مهمشة أو منسية.

وفي كلمة بالمناسبة، أكد أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، عبد الجليل الحجمري، أن المغرب أمة عريقة في التاريخ وحضارة مديدة في الزمن لا تحتفي باستقلالها وتمجده فحسب، بل إنها جبلت عليه في بنياتها التاريخية الطويلة ودأبت على العيش في حضنه، بما يرمز إليه من كرامة وحرية وسيادة.

وقال السيد الحجمري "لقد استرخص المغاربة الغالي والنفيس عبر تاريخهم من أجل حفظ استقلالهم وحريتهم وعزتهم الوطنية. وفي لحظات التاريخ التي وقع بلدهم فيها تحت نير الاستعمار، وهي على كل حال قليلة العدد قصيرة الأمد، كانوا دائما ما يهبون، دولة ومجتمعا، وأفرادا وجماعات، لاستعادة استقلالهم بما تيسر لهم من أساليب المقاومة والجهاد والصمود".

وفي السياق ذاته، أشار إلى أن لحظة الاستقلال لم تكن منتهى ما كان يصبو إليه المغاربة، بل منطلقا لتحرير المناطق المغتصبة واستكمال الوحدة الترابية التي تشكل المسيرة الخضراء أحد تجلياتها الكبرى التي تعكس العبقرية المغربية في تحرير الأرض، مسجلا أن حدث الاستقلال كان استئنافا لعطاء حضاري مغربي كبير لا ينضب، ونقطة بداية لبناء دولة وطنية مستقلة بوضع أسس دستورية، وسياسية، ومؤسساتية، واقتصادية، وثقافية واجتماعية لمغرب حديث وديموقراطي، وذلك في تناغم تام مع هويته الوطنية.

وأضاف السيد الحجمري أنه "بعد مرور ردح من الزمن على استقلال المغرب، ولما كانت الذاكرة بمختلف تجلياتها الفردية والجماعية خزان الماضي ومستودع الذكريات، فقد حرصت هذه الذاكرة على حفظ حدث الاستقلال وتخليده والاحتفاء به ونقله إلى الأجيال المستقبلية لتنهل من قيمه ومعانيه الوطنية، وهذا ما يطرح سؤال دراسة وتقييم تمثلات الذاكرة لهذا الحدث ورصد حدود التاريخ والموضوعية في هذه التمثلات".

من جهته، أكد مدير المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، رحال بوبريك، أن انعقاد هذا الملتقى الوطني الثاني يشكل مناسبة تستحضر محطة مفصلية في تاريخ المغرب الحديث، والتي شكلت تتويجا لكفاح وطني طويل من أجل استعادة السيادة الوطنية وبناء الدولة المغربية المستقلة، مضيفا أن هذا الموعد يتيح، كذلك، فرصة للتأمل في مكانة هذا الحدث في الذاكرة الجماعية، مع إعادة مساءلته من منظور البحث التاريخي الرصين.

وأوضح السيد بوبريك أن المؤرخ المغربي انشغل، خلال سبعين سنة من الاستقلال، بمواكبة مسار بناء الدولة الوطنية الحديثة، وتتبع مختلف مراحل استكمال الوحدة الترابية والمعارك الدبلوماسية التي خاضها المغرب دفاعا عن حقوقه التاريخية، معتبرا أن الكتابة التاريخية المغربية واجهتها تحديات منهجية وإبستمولوجية كبرى، ارتبطت أولا بتأسيس مدرسة تاريخية وطنية قادرة على تجاوز الإرث الكولونيالي في تفسير تاريخ المغرب، مع الحفاظ على متطلبات الصرامة العلمية والموضوعية الأكاديمية.

وأبرز، في هذا الصدد، أن الأبحاث الأكاديمية أسهمت في تعميق فهم مرحلة الاستقلال وإغناء المعرفة بها، مشدا على أن "الحاجة ما تزال قائمة في البحث في الأرشيفات الوطنية والأجنبية وتجديد الأسئلة وتوسيع زوايا النظر، بما يسمح بإبراز أدوار فاعلين ومكونات اجتماعية وثقافية متعددة، وإدماج الأبعاد الدولية والإقليمية التي أحاطت بمسار الاستقلال".

من جانبه، اعتبر رئيس الجمعية المغربية للبحث التاريخي، عبد الكريم مدون، أن هذه الندوة تنطلق من إشكالية مركزية في الدراسات التاريخية المعاصرة، وهي العلاقة الجدلية بين "التاريخ" بوصفه معالجة نقدية للوثيقة والأثر، وبين "الذاكرة" بوصفها تمثلا اجتماعيا وثقافيا للماضي.

وأوضح السيد مدون أن المعرفة التاريخية في المغرب شهدت تطورا ملحوظا على العديد من المستويات، همت بالأساس مواضيع الاشتغال والمقاربات المنهجية وآليات التحليل، مؤكدا أن انفتاح المعرفة التاريخية على حقول معرفية تدخل في خانة العلوم الإنسانية والاجتماعية شكل أداة لبلورة أسئلة إشكالية جديدة في حقل المعرفة التاريخية، سمحت باتجاه الباحثين نحو مقاربات جديدة تهم العقليات والثقافات والحياة العامة، إلى جانب مقاربات أخرى تهم البيئة والاقتصاد والمجتمع.

وشدد على أن مرور سبعين سنة على استقلال المغرب يفرض على المؤرخين وقفة منهجية، على اعتبار أن هذه المرحلة لم تعد حدثا راهنا، بل أصبحت موضوعا تاريخيا يستدعي إعادة النظر في مصادره، ومساءلة رواياته، وتفكيك بنياته الكبرى السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية، لافتا إلى الدور الذي أضحت تحتله أكاديمية المملكة المغربية في النهوض بالفكر والثقافة وتشجيع البحث العلمي في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية.

وإلى جانب الجلسة الافتتاحية، تتميز أشغال الدورة الثانية للملتقى الوطني للمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، الذي ينظم على مدى يومين، بمناقشة عدة محاور تهم "استقلال المغرب: الذاكرة والأرشيف"، و"استقلال المغرب وبناء الدولة الوطنية"، و"استقلال المغرب: فاعلون ومواقف".

كما تشمل محاور النقاش كلا من "استقلال المغرب: مسارات مجالية وجهوية"، و"الكتابة التاريخية حول استقلال المغرب: حصيلة وتقويم"، و"الاستقلال بين المطلب الوطني والموقف الاستعماري".

(ومع: 01 يوليوز 2026)